فخر الدين الرازي

755

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تعالى : وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ * [ الحج : 23 ] ثم قيل : إن الذين هذا لباسهم هم الولدان المخلدون ، وقيل : بل هذا لباس الأبرار ، وكأنهم يلبسون عدة من الثياب فيكون الذي يعلوها أفضلها ، ولهذا قال : عالِيَهُمْ وقيل هذا من تمام قوله : مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ ومعنى عالِيَهُمْ أي فوق حجالهم المضروبة عليهم ثياب سندس ، والمعنى أن حجالهم من الحرير والديباج . قوله تعالى : وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وفيه سؤالات : السؤال الأول : قال تعالى في سورة الكهف : أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [ الكهف : 31 ] فكيف جعل تلك الأساور هاهنا من فضة ؟ والجواب : من ثلاثة أوجه أحدها : أنه لا منافاة بين الأمرين فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة أو على الجمع كما تفعل النساء في الدنيا وثانيها : أن الطباع مختلفة فرب إنسان يكون استحسانه لبياض الفضة فوق استحسانه لصفرة الذهب ، فاللّه تعالى يعطي كل أحد ما تكون رغبته فيه أتم ، وميله إليه / أشدو ثالثها : أن هذه الأسورة من الفضة إنما تكون للولدان الذين هم الخدم وأسورة الذهب للناس . السؤال الثاني : السوار إنما يليق بالنساء وهو عيب للرجال ، فكيف ذكر اللّه تعالى ذلك في معرض الترغيب ؟ الجواب : أهل الجنة جرد مرد شباب فلا يبعد أن يحلوا ذهبا وفضة وإن كانوا رجالا ، وقيل : هذه الأسورة من الفضة والذهب إنما تكون لنساء أهل الجنة وللصبيان فقط ، ثم غلب في اللفظ جانب التذكير ، وفي الآية وجه آخر ، وهو أن آلة أكثر الأعمال هي اليد وتلك الأعمال والمجاهدات هي التي يتوسل بها إلى تحصيل المعارف الإلهية والأنوار الصمدية ، فتكون تلك الأعمال جارية مجرى الذهب والفضة التي يتوسل بهما إلى تحصيل المطالب ، فلما كانت تلك الأعمال صادرة من اليد كانت تلك الأعمال جارية مجرى سوار الذهب والفضة ، فسميت الأعمال والمجاهدات بسوار الذهب والفضة ، وعبر عن تلك الأنوار الفائضة عن الحضرة الصمدية بقوله : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً وبالجملة فقوله : وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ إشارة إلى قوله : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا وقوله : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً إشارة إلى قوله : لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] فهذا احتمال خطر بالبال ، واللّه أعلم بمراده . قوله تعالى : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً الطهور فيه قولان : الأول : المبالغة في كونه طاهرا ، ثم فيه على هذا التفسير احتمالات أحدها : أنه لا يكون نجسا كخمر الدنيا وثانيها : المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة يعني ما مسته الأيدي الوضرة ، وما داسته الأقدام الدنسة وثالثها : أنها لا تؤول إلى النجاسة لأنها ترشح عرقا من أبدانهم له ريح كريح المسك القول الثاني : في الطهور أنه المطهر ، وعلى هذا التفسير أيضا في الآية احتمالان أحدهما : قال مقاتل : هو عين ماء على باب الجنة تنبع من ساق شجرة من شرب منها نزع اللّه ما كان في قلبه من غل وغش وحسد ، وما كان في جوفه من قذر وأذى وثانيهما : قال أبو قلابة : يؤتون الطعام والشراب فإذا كان في آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور ، فيشربون فتطهر بذلك بطونهم ، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك ، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور ، مطهرا لأنه يطهر باطنهم عن الأخلاق الذميمة ، والأشياء المؤذية ، فإن قيل : قوله تعالى : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ هو عين ما ذكر تعالى قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور ، والزنجبيل ، والسلسبيل أو هذا نوع آخر ؟ قلنا : بل هذا نوع آخر ، ويدل عليه وجوه أحدها : دفع